الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
36
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أشد عذابا وأبقى ( 1 ) . في الحقيقة إن جملة أينا أشد عذابا إشارة إلى تهديد موسى ( عليه السلام ) له من قبل ، وكذلك تهديده للسحرة في البداية ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب . والتعبير ب من خلاف إشارة إلى قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو بالعكس ، وربما كان اختيار هذا النوع من التعذيب للسحرة ، لأن موت الإنسان يكون أكثر بطأ وأشد عذابا في هذه الحالة ، أي أن النزيف سيكون أبطأ ، وسيعانون عذابا أشد ، وربما أراد أن يقول : سأجعل بدنكم ناقصا من جانبيه . أما التهديد بالصلب على جذوع النخل ، فربما كان لأن النخلة تعد من الأشجار العالية ، وكل شخص - سواء البعيد أو القريب - يرى المعلق عليها . والملاحظة التي تستحق الذكر أن الصلب في عرف ذلك الزمان لم يكن كما هو المتعارف عليه اليوم ، فلم يكونوا يضعون حبل الإعدام في رقبة من يريدون صلبه ، بل كانوا يشدون به الأيادي أو الأكتاف حتى يموت المصلوب بعد تحمل العذاب الشديد . لكن نرى ماذا كان رد فعل السحرة تجاه تهديدات فرعون الشديدة ؟ إنهم لم يخافوا ولم يهربوا من ساحة المواجهة ، أثبتوا صمودهم في الميدان بصورة قاطعة ، وقالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض لكن ، ينبغي أن تعلم بأنك تقدر على القضاء في هذه الدنيا ، أما في الآخرة فنحن المنتصرون ، وستلاقي أنت أشد العقاب إنما تقضي هذه الحياة الدنيا . وعلى هذا ، فإنهم قد بينوا هذه الجمل الثلاث الراسخة أمام فرعون : الأولى : إننا قد عرفنا الحق واهتدينا ، ولا نستبدله بأي شئ .
--> 1 - من المعلوم أن ( في ) في جملة ولأصلبنكم في جذوع النخل تعني ( على ) ، أي أعلقكم على جذوع النخل ، إلا أن الفخر الرازي يعتقد أن ( في ) هنا تعطي نفس معناها ، لأن ( في ) للظرفية ، والظرفية تناسب كل شئ ، ونعلم أن خشبة الإعدام كالظرف والوعاء بالنسبة للفرد الذي يعلق للإعدام . إلا أن هذا التوجيه لا يبدو صحيحا .